إِضَافةٌ في خَبرِ المرأةِ الخامسةِ

( زوجي أن دخل فهد ، وأن خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد)
إن دخل البيت وثب عليَّ وثوب الفهد ، وإن خرج كان في الإقدام مثل الأسد ، فعلى هذا يحتمل قوله " وثب" على المدح والذم ، فالأول تشير إلى كثرة جماعه لها إذا دخل ،فينطوي تحت ذلك تمدحها بأنها محبوبة لديه بحيث لا يصبر عنها إذا رآها ، والذم إمَّا من جهة أنَّه غليظ الطبع ليست عنده مداعبة ولا ملاعبة قبل المواقعة ؛ بل يثب وثوباً كالوحش ، أو من جهة أنَّه كان سيء الخلق ،يبطش بها ويضربها ، وإذا خرج على الناس كان أمره أشد في الجرأة والإقدام والمهابة كالأسد .
وقولها : ( ولا يسأل عما عهد ) يحتمل المدح والذم أيضاً ،فالمدح بمعنى : أنَّه شديد الكرم ، كثير التغاضي ، لا يتفقد ما ذهب من ماله ، وإذا جاء بشيء لبيته لا يسأل عنه بعد ذلك، أو لا يلتفت إلى ما يرى في البيت من المعايب بل يسامح ويغضي، ويحتمل الذم ، بمعنى : أنَّه غير مبال بحالها حتى لو عرف أنهَّا مريضة أو معوزة ؛وغاب ثمَّ جاء لا يسأل عن شيء من ذلك ، ولا يتفقد حال أهله ، ولا بيته ؛ بل إن عرضت له بشيء من ذلك وثب عليها بالبطش والضرب ، وأكثر الشراح شرحوه على المدح ، فالتمثيل بالفهد من جهة كثرة التكرم أو الوثوب ،وبالأسد من جهة الشَّجاعة ، وبعدم السُّؤال من جهة المسامحة .

قالت السَّادسة : ( زوجي إن أكل لف ، وإن شرب اشتف ،وأن اضطجع التف ، ولا يولج الكف ليعلم البث ) المراد باللف : الإكثار منه واستقصاؤه حتى لا يترك منه شيئاً ، والاشتفاف في الشرب استقصاؤه ، مأخوذ من الشُّفافة بالضم ،والتخفيف ، وهي :البقية تبقى في الإناء ،فإذا شربها الذي شرب الإناء قيل : اشتفها، وقولها :(التف) أي: رقد ناحية ، وتلفف بكسائهوحده ، وانقبض عن أهله إعراضاً ،فهي كئيبة حزينة لذلك؛ ولذلك قالت: ( ولا يولج الكف ليعلم البث ) ، أيْ : لا يمد يده ليعلم ما هي عليه من الحزن فيزيله ،ويحتمل أن تكون أرادت : أنَّه ينام نوم العاجز الفشل الكسل ، والمراد بالبث:الحزن ، ويقال : شدة الحزن ، ويطلق البث أيضاً على الشَّكوى ، وعلى المرض ،وعلى الأمر الذي لا يصبر عليه ، فأرادت :أنَّه لا يسأل عن الأمر الذي يقع اهتمامها به ، فوصفته بقلة الشَّفقة عليها ، وأنَّه إن رآها عليلة لم يدخل يده في ثوبها؛ ليتفقد خبرها كعادة الأجانب فضلاً عن الأزواج ، أو هو : كناية عن ترك الملاعبة أو عن ترك الجماع ، وقد جمعت في وصفها له بين اللُّؤم والبخل ، والنَّهمة والمهانة ، وسوء العشرة مع أهله ، فإنَّ العرب تذم بكثرة الأكل والشرب ، وتتمدح بقلتهما ، وبكثرة الجماع لدلالتها على صحة الذُّكوريَّة والفحوليَّة ، ويحتمل أن يكون معنى قوله:ولا يولج الكف كناية عن ترك تفقده أمورها، وما تهتمُّ به من مصالحها، وهو كقولهم: " لم يدخل يده في الأمر" أيْ : لم يشتغل به ولم يتفقده . خَبَرُ الْمَرْأةِ السَّابِعَةِ وقالت السَّابعة - وهذه ما تركت شيئاً في الرَّجل - : ( زوجي عيايا غيايا طباقا ) ( عيايا ) : من العي ، ( غيايا ) : من الغي ، وهو الضلال البعيد ، ( طباقا ) : مقفل لا يتفاهم،)كل داء له داء ) : كل عيوب الدنيا فيه ، كل داء تجده فيه ( شجك ) يجرح وجهها (أو فلك ) يكسرعظمها ، ( أو جمع كلاً لك ) ، أي : إمَّا يشج رأسها فقط ، وإمَّا يكسر عظمها فقط ، وإمَّا يكسر عظمها ويشجُّ رأسها ، فهذا الرَّجل عنيد جدًا . خَبَرُ المَرْأةِ الثَّامِنَةِ وقالت الثَّامنة : ( زوجي المس مس أرنب ، والريح ريح زرنب ) وهي تمدحه ( مس أرنب ) أي : ناعم البشرة ، ناعم الملمس ، كجلد الأرنب ، رفيق رقيق ، دعوب قريب من النُّفوس ! ( والرِّيح ريح زرنب ) ،الزَّرنب : نبات طيب الرَّائحة ، ينبت في نجد ، واستشهدوا على ذلك بقول الأول : بأبي أنت وفوك الأشنب * كأنَّما ذر عليه الزرنب امرأة تمدح زوجها وتقول : أفديك بأبي وأفدي فمك الأشنب ، أي : المليح والرَّقيق الأسنان ، (كأنما ذر عليه الزرنب ) وهو نبت طيب الرائحة . قالت : والريح ريح زرنب . أي : أنَّه من مسكه وطيبه مثل الزرنب ، وهذا مطلوب في الرَّجل ؛ أن يكون طيب الرائحة ؛ لأنَّ المرأة تطلب من الرَّجل كما يطلب هو منها، فلا يقترب منها إلاَّ طيب الفم ، طيب الرَّائحة ، طيب الخُلق .. ومن حقوق المرأة أن يكون الزَّوج طيب الراَّئحة. |



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق