سجود الشكر
مقدمة:
إن من يتتبع سيرة الرسول محمد rيرى عجبا من مظاهر الشكر والتواضع وإرجاع النعم إلى خالقها سبحانه وتعالى، ومن ذلك:
· قيامه مصليا ، وهجره لذيذ المنام ، وذكره لله في كل أحيانه وأمر أمته بذلك ،وقد كان r يطيل السجود حتى يظن من رآه كأنه قد قبض .
· عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كان إذا أتاه الأمر يسره قال : ( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) وإذا أتاه الأمر يكرهه قال : ( الحمد لله على كل حال ) [3].
· وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي rكان إذا جاءه أمر يسره خرّ ساجدا شكرا لله[4]
سجود الشكر : وهو عند النعم الحادثة ، التي يندر وقوعها ، أما المستمرة فشكرها بالطاعات والعبادات ، وفيه شكر المنعم باللسان والقلب والجوارح ، وهو من أعظم مايشكر به العبد ربه جل وعلا ، لما فيه من الخضوع لله بوضع أشرف الأعضاء وهو الوجه على الأرض ، وهو سنة نبوية ثابتة ، هجرها كثير من الناس .
ومن ذلك سجوده شكرا فيما رواه عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَتَوَجَّهَ نَحْوَ صَدَفَتِهِ ، فَدَخَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَخَرَّ سَاجِدًا فَأَطَالَ السُّجُودَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ : « إنَّ جِبْرِيلَ فَبَشَّرَنِي ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لَكَ : مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَيْتُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْت عَلَيْهِ ، فَسَجَدْت لِلَّهِ شُكْرًا » . [5]
ومن ثم ندب سجود الشكر عند حصول نعمة واندفاع نعمة والسجود أقصى حالة العبد في التواضع لربه وهو أن يضع مكارم وجهه بالأرض وينكس جوارحه وهكذا يليق بالمؤمن كلما زاده ربه محبوبا ازداد له تذللا وافتقارا فيه ترتبط النعمة ويجتلب المزيد * (لئن شكرتم لأزيدنكم) * والمصطفي صلى الله عليه وسلم أشكر الخلق للحق لعظم يقينه فكان يفزع إلى السجود [6] فلا يشك عاقل في مشروعية سجود الشكر ، لاسيما وقد جرى العمل عليها من السلف الصالح رضي الله عنهم .[7]
حكم سُجُود الشُّكْر : غير واجب باتفاق ، والراجح أنه سنة عند تجدد نعمة عامة أو خاصة ، أو عند رؤية مبتلى في بدنه أو دينه ، ولا يشترط له ما يشترط لصلاة النافلة على الراجح ، لكن الأولى والأكمل استكمال شروط الطهارة وغيرها .
(قال الشافعي رحمه الله : سجود الشكر حسن ، قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمر ، وغير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)[8]
وقد عقد النووي في رياض الصالحين بابا في استحباب سجود الشكر:عِنْدَ حصول نعمة ظاهرة أَو اندفاع بلية ظاهرة
ماذا يشترط لسجود الشكر؟
لقَدْ تَظَاهَرَتْ السُّنَّة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ فِي مَوَاضِع مُتَعَدِّدَة , وَكَذَلِكَ أَصْحَابه , مَعَ وُرُود الْخَبَر السَّارّ عَلَيْهِمْ بَغْتَة , وَكَانُوا يَسْجُدُونَ عَقِبه , وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِوُضُوءٍ , وَلَمْ يُخْبِرُوا أَنَّهُ لَا يُفْعَل إِلَّا بِوُضُوءٍ . وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْأُمُور تَدْهَم الْعَبْد وَهُوَ عَلَى غَيْر طَهَارَة فَلَوْ تَرَكَهَا لَفَاتَتْ مَصْلَحَتهَا .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (وأما سجود الشكر فهو أن الإنسان إذا بشر بشيء يسره من نصر المسلمين أو نجاح في درس أو ولد أو زواج أو شيء يسره فإنه ينبغي أن يسجد لله سجود الشكر ويكبر إذا سجد ويقول سبحان ربي الأعلى ثم يثني على الله تبارك وتعالى بما هو أهله وينص على النعمة التي أصابته اللهم إني أشكرك على نعمتك علي في هذا الشيء ثم يقوم بلا تكبير ولا سلام والله الموفق)[9]
(اختلف العلماء في سجود الشكر والتلاوة هل لا بد من وضوء أم لا ؟
قيل : لا بد من وضوء .وهذا المذهب ، لأنها صلاة . وقيل : لا يشترط لهما طهارة .وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم والشوكاني .لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تطهر لسجود التلاوة ، ولم ينقل أنه أمر بذلك .وأيضاً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون ولم ينقل أنه أمر أحداً من المسلمين الذين كانوا معه بالوضوء .روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يسجد على غير طهارة وهذا هو القول الصحيح .)[10]
وسجود الشكر قائما أفضل منه قاعدا ، ولا يجب فيه التكبير ، ولكن لو كبّر الساجد في أوله وآخره فلا حرج . وليس له ذكر معين ، لكن يكثر من شكر الله على النعمة ،والدعاء والاستغفار والتسبيح ، ولا يجب فيه تشهد أو سلام لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله . ويجوز قضاؤه إذا لم يتمكن من أدائه في وقته ، إما إن تعمّد تأخيره فلا يقضيه ، ويجوز عند تذكّر نعمة
ومن أسرار السجود :
1- النعمة المتجددة تذكر بالنعمة المستدامة .
2- النعمة المتجددة تستدعي عبودية متجددة ، وكان أسهلها على الإنسان وأحبها إلى الله السجود شكرا له .
3- النعمة المتجددة لها وقع في النفوس ، والقلب بها أعلق ، ولذ يهنّأ بها ، ويعزّى على فقدها .
4- حدوث النعم يوجب فرح النفس وانبساطها ، وكثيرا ما يجرّ ذلك إلى الأشر والبطر ، والسجود ذل لله وعبودية ، فإذا تلقّى به نعمته لسروره وفرح النفس ؛ كان جديرا بدوامها ، وإذا تلقاها بالفرح الذي لا يحبه الله ؛ كانت سريعة الزوال ، وتنقلب إلى نقمة .
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
[1] ) مصنف عبد الرزاق (ج 10 / ص 439) رقم (19632) وسنده صحيح
[2] ) شعب الإيمان للبيهقي (ج 4 / ص 100)
[3] رواه ابن ماجة وقال في ( الزوائد ) : إسناده صحيح ، ورجاله ثقات .
[4] ) رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ . سنن أبي داود - (ج 1 / ص 750) 9 - كتاب الجهاد باب في سجود الشكر ح (2758) والترمذي(1578) وابن ماجة(1394)وقال المنذري في عون المعبود (7 / 465 في إسناده موسى بن يعقوب الزمعي وفيه مقال . وفي"خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام - (ج 2 / ص 628)قَالَ : " حسن " ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد .وصححه الألباني .
[5]رَوَاهُ أَحْمَدُ . مجمع الزوائد للهيثمي - (ج 6 / ص 16) رواه أحمد ورجاله ثقات .
[6]فيض القدير للمناوي - (ج 1 / ص 291)
[7]إرواء الغليل لمحمد الألباني - (ج 2 / ص 234)
[8]معرفة السنن والآثار للبيهقي (ج 3 / ص 486)
[9]الشرح المختصر على بلوغ المرام لابن عثيمين (ج 3 / ص 195)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق